أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ) أي وحلّ بأولئك المكذبين بآيات اللّه - السخط والغضب بتكذيبهم بها . فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حل بهم من العذاب الأليم . ونحو الآية قوله : « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ » . وبعد أن خوّفهم من أهوال يوم القيامة ذكر الدليل على التوحيد والحشر والنبوة فقال : ( أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) أي ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار ومخالفتنا بينهما يجعل ذاك سكنا لهم يسكنون فيه ، ويهدءون راحة لأبدانهم من تعب التصرف والتقلب نهارا ، وجعل هذا مضيئا يبصرون فيه الأشياء ويعاينونها ، فيتقلبون فيه لمعايشهم - فيتفكرون في ذلك ويتدبرون ويعلمون أن مصرّف ذلك كذلك ، هو الإله الذي لا يعجزه شئ ، ولا يتعذر عليه إماتة الأحياء ، وإحياء الأموات بعد الممات . وفي ذلك أيضا دليل على النبوة ، لأنه كما يقلب الليل والنهار لمنافع المكلفين ففي بعثة الأنبياء منافع عظيمة للناس في دنياهم ودينهم ، فما المانع إذا من بعثهم إليهم ؟ بل الحاجة إلى ذلك ملحّة . ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي إن فيما ذكر لدلالة على قدرته على البعث بعد الموت ، وعلى توحيده لمن آمن به وصدّق برسله ، فإن من تأمل في تعاقبهما واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم تحار في فهمها العقول ، ولا يحيط بعلمها إلا اللّه وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل الحالكة المشابهة للموت ، بضياء النهار المضاهي للحياة ، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة - قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور ، وجزم بأن اللّه جعل هذا دليلا على تحققه ، وأن الآيات الناطقة به حق ، وأنها من عند اللّه .